سيرة حياة الزعيم مصطفى كامل باشا (1)

سيرة حياة الزعيم مصطفى كامل باشا

في عصريوم ١٠ فبراير سنة ١٩٠٨ بينما أنا جالسمع أحد زملائي طلبة مدرسة الحقوق

الخديوية إذ ذاك على باب داره، جاز الطريق أمامنا رجل ممتطٍ جوادًا، فلما كان بإزائنا

وكان زميلي من المتشيعين «. أبقى لله حياتكم، الباشا توفي » : وقف برهة فحيانا وقال

للحزب الوطني المتطرفين في تشيعهم، فلما سمع قول الناعي سأله في لهفة: مصطفى

باشا كامل؟ فأجابه الرجل منطلقًا جواده: نعم، ولكم طول البقاء، وتركنا أنا وصاحبي

واجمين من هول الخبر وإن كان حديث الباشا ومرضه والخوف على حياته بعض ما

تواتر في ذلك الحين، وبعد زمن قصير تركت صاحبي عائدًا إلى بيتي فألفيت على الناسفي

تراجم مصرية وغربية

الشوارع والحوانيت من أثر الذهول ما يدل على أن نعي الباشا إليهم مسمن قلوبهم أدق

أوتار الحزن والألم، ولم يستقر بي المقام في البيت دقائق حتى جاء زميل يبلغني الخبر،

ويعلن إليَّ ما قررته المدارسكلها من الاشتراك في تشييع جنازة الزعيم العظيم، وكان يوم

١١ فبراير يوم حداد عام في العاصمة، وفي مصركلها لم يشغل الناسشيء فيه غير جنازة

الزعيم الشاب، فالمدارس والهيئات الوطنية كلها كانت تفكر في تنظيم الجنازة، وأهل

الريف كانوا يفدون من أطراف البلاد للاشتراك فيها، والحكومة كانت تعد وسائل الأمن

والنظام، والأجانب الذين رأوا العاصمة جللت بالسواد ورأوا أهلها اتشحوا بأسباب الحداد

كانوا يفكرون في العمق الذي تغلغل إليه الروح الوطني من سويداء نفس هذه الأمة، فلما

سار النعش يحمله على أعناقهم أهل دنشواي الذين حكمت المحكمة المخصوصة عليهم،

ثم كان لسعي مصطفى كامل أكبر الأثر في العفو عنهم؛ صمت كل ما في المدينة ولم يبقَ

بها أثر لحياة إلا في مشهد وداع هذا الراحل رحلة الأبد، قال المرحوم قاسم أمين في كلماته

التي نشرت بعد موته، أي بعد شهرين اثنين من وفاة مصطفى كامل:

١١ فبراير سنة ١٩٠٨ يوم الاحتفال بجنازة مصطفى كامل هي المرة الثانية

التي رأيت فيها قلب مصريخفق، المرة الأولى كانت يوم تنفيذ حكم دنشواي.

رأيت عند كل شخص تقابلت معه قلبًا مجروحًا وزورًا مخنوقًا ودهشة

عصبية بادية في الأيدي وفي الأصوات، كان الحزن على جميع الوجوه، حزن

ساكن مستسلم للقوة، مختلط بشيء من الدهشة والذهول، ترى الناسيتكلمون

بصوت خافت وعبارات متقطعة وهيئة بائسة، منظرهم يشبه منظر قوم

مجتمعين في دار ميت كأنما كانت أرواح المشنوقين تطوف في كل مكان من

المدينة.

ولكن هذا الإخاء في الشعور بقي مكتومًا في النفوس لم يجد سبيلًا يخرج

منه فلم يبرز بروزًا واضحًا حتى يراه كل إنسان.

أما في يوم الاحتفال بجنازةصاحب (اللواء) فقد ظهر ذلك الشعور ساطعًا

في قوة جماله وانفجر بفرقعة هائلة سمع دويها في العاصمة ووصل صدى

دويها إلى جميع أنحاء القطر.

هذا الإحساسالجديد، هذا المولود الحديث الذي خرج من أحشاء الأمة، من

دمها وأعصابها، هو الأمل الذي يبتسم في وجوهنا البائسة، هو الشعاع الذي

يرسل حرارته إلى قلوبنا الجامدة الباردة، هو المستقبل.

ولم يكن عجيبًا أن يكتب قاسم أمين على هدوء نفسه وحسن تقديره هذا الذي كتب،

ولم يكن عجيبًا أن يحرك مصر من أقصاها إلى أقصاها الحزن لوفاة الزعيم الشاب،

فقد جاء به القدر في فترة من فترات حياة هذا الوطن حين بدأت الأمة تنسى مظالم

الماضي أيام حكم إسماعيل وتشعر بشدة وطأة الحكم البريطاني الذي قام على أساس

من المصالح المادية وحدها، فلم يُعنَ إلا بتخفيف الأعباء المالية ناسيًا كل اعتبار غير

تخفيض الضرائب؛ ليخيم على البلاد الجهل، وليكن الغرض الأسمى من التعليم خلق

الموظفين، وليشعر المصريون بافتقارهم للحاكم البريطاني وبضعفهم أمامه، فذلك كله

هين ويسير ما دامت الضرائب المرهقة وما دامت السخرة والكرباج قد ألغيت، في هذه

الفترة التي شعرت فيها الأمة بالحاجة المعنوية للعزة القومية وللكرامة الإنسانية، بعث

القدر مصطفى بشيرًا بهذه الحاجات السامية رفيع الصوت، عالي الكلمة، طلق اللسان،

قوي الجنان، حلو الأسلوب، يتغنى لقومه بما تشعر به نفوسهم في غور أعماقها، فكان

طبيعيٍّا أن يلتف الظمأى حول هذا الورد من الكلام السائغ يسمعون عنده الأناشيد التي

تطرب لها نفوسهم وتهتز لها قلوبهم ويجد فيها شعورهم الحبيسمنفذًا ومتنفسًا، ليكن

ذلك الكلام غير ذي غناء، ولتبق القوة الغاشمة قديرة على أن تسير في طريقها، ترفع من

شأن المصالح المادية على حساب حاجات النفسالمعنوية، فلن يغير ذلك من قيمة هذا الذي

يشدو باسم الوطن ومن محبة الناس له شيئًا، ألست ترى إلى الجمع الحافل من العمال

يسد جوعه على مائدة ذي المال جزاء كدحه طول نهاره، ثم ما يلبث أن يذهب لسماع

الشاعر أو المغني يروي عنده ظمأ روحه؟ وهو لهذا المغني أشد حبٍّا منه لمن يمسك عليه

حياته المادية؛ لأنه يحس في الشاعر معنى إنسانيٍّا، في حين أن سعيه لدى المالك وجزاءه

من سعيه لا يجزيه إلا الإبقاء على حياته الحيوانية البحتة.

لذلك كان جزاء وفاقًا أن تحزن مصر على شاعر الوطنية العظيم مصطفى كامل،

وكان حقٍّا أن يرى قاسم أمين في وحدة هذا الشعور بفقد الزعيم الشاب الذي كرسحياته

ليتغنى باسم مصروليعلن أنه وهبها حياته، وحدةً في الأمل الكبير بمستقبل زاهر.

ولد مصطفى كامل في سنة ١٨٧٤ ، أي في السنة التي ولد فيها الخديو عباسحلمي الثاني،

وقد بعث به أبوه علي أفندي محمد — وكان مهندسًا — إلى مدرسة أم عباس، فمدرسة

القربية الابتدائيتين حيث تلقى دراسته الأولى، وفي أواخر أيامه بهما توفي أبوه وكفله

أخوه حسين واصف باشا وزير الأشغال السابق، وبعد الدراسة الابتدائية التحق بالمدرسة

التجهيزية — الخديوية الآن — لتلقي دراسته الثانوية، وفيها ظهر جريئًا أكثر من زملائه

جميعًا، وجرأته هي التي جعلته دون سائر إخوانه يذهب بنفسه فيقابل ناظر المعارف

إذ ذاك علي باشا مبارك يشكو له حيف نظام الامتحان حيث أدى إلى رسوبه ورسوب

زملائه، وإعجاب ناظر المعارف بهذه الجرأة هو الذي جعله يعدل عن هذا النظام فيؤدي

ذلك إلى نجاح مصطفى وكثيرين من زملائه، فلما أتم دراسته الثانوية التحق بمدرسة

١٨٩٢ ، ومن ذلك التاريخ بدأ ينشر رسائل – الحقوق الخديوية في العام المدرسي ١٨٩١

ومقالات في الصحف، كما أنه — على ما يذكر مؤرخوه ومن بينهم مدام جوليت آدم —

ارتبط بالخديو السابق عباس حلمي الثاني برابطة كانت ذات أثر مباشر في حياته كلها

بعد ذلك